السبت، 21 فبراير 2015

مغالطة معرفية...في مشروع نقد العقل العربي عند الجابري

مغالطة معرفية...في مشروع نقد العقل العربي عند الجابري
كتبه طارق الحمودي

قال الجابري في (بنية العقل العربي ص113و114):
 "التفكير انطلاقا من أصل يطلق عليه في الاصطلاح البياني اسم الاستنباط, وهو غير الاستنتاج deduction  المنطقي الذي يتجه فيه التفكير من مقدمات إلى نتائج تلزم عنها, كما هو الشأن في النظام المعرفي البرهاني...
أما التفكير انتهاء إلى أصل فهو عملية عقلية تتم في اتجاه معاكس ويطلق عليها في الاصطلاح البياني القياس قياس فرع على أصل أو غائب على شاهد, وهو غير القياس المنطقي الذي ينطلق فيه الفكر من مقدمتين أو أكثر يربط بينهما حد أوسط ليصل إلى نتيجة تلزم عنهما...".
قد بنى الجابري جزءا كبيرا من نظريته في نقد العقل العربي على هذا, على زعمه أن العقل البياني يعتمد على هذا النوع من القياس دون القياس الآخر , القياس البرهاني المنطقي, ويؤسفني أن أقول: كان هذا الزعم منه من أكبر أخطائه , فقد ارتكب مغالطة فكرية من الدرجة الأولى, وبيان هذا أن الأصوليين يستعملون أيضا القياس البرهاني, وهذا يعني إفساد نظرية التقسيم الجابري للأنظمة المعرفية إلى ثلاثة, وجعله النظام المعرفي البياني خاليا من القياس البرهاني.
يقول ابن تيمية رحمه الله في درء تعارض العقل والنقل (4/35/دار الكتب العلمية): "تنازع الناس في اسم القياس : هل هو حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس الشمول ؟ كما يقوله أبو حامد الغزالي و أبو محمد المقدسي وغيرها أو هو حقيقة في قياس الشمول مجاز في قياس التمثيل ؟ كما يقوله أبو محمد بن حزم وغيره أو القياس حقيقة فيهما ؟ كما يقوله الجمهور" وزاد في الفتاوى (9/19): "وقال جمهور العلماء: بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي يتناولهما جميعا وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع العلوم العقلية وهو الصواب فإن حقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر وإنما تختلف صورة الاستدلال" .
وقصده بقياس التمثيل قياس الاستدلال بالجزئي على الجزئي, وبقياس الشمول وهو المسمى بالقياس المنطقي القائم على المقدمتين والنتيجة الاستدلال بالكلي على الجزئي, وهو نفسه الاستدلال بعمومات الألفاظ العامة على ما يدخل تحتها...وهو قياس اصولي أيضا. فالقياس البرهاني أحد أنواع القياس الأصولي, وبهذا يتبين قدر الخبط الذي وقع فيه الجابري, حين زعم افتقار النظام المعرفي البياني إلى القياس البرهاني, وهذا يفسد عليه دعواه, ويثبت أن النظام المعرفي الأصولي برهاني كله كما في مجموع الفتاوى (9/20...وكل هذا كما يقول ابن تيمية في (إيضاح الدلالة في عموم الرسالة ص10) : " يرجع إلى تمثيل الشيء بنظيره وإدراج الجزئي تحت الكلي وذاك يسمى قياس التمثيل ؛ وهذا يسمى قياس الشمول وهما متلازمان فإن القدر المشترك بين الأفراد في قياس الشمول الذي يسميه المنطقيون الحد الأوسط هو القدر المشترك في قياس التمثيل الذي يسميه الأصوليون الجامع", فالخلاف لفظي بين الطائفتين...أو صوري كما مر.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق