الخميس، 9 أبريل 2015

الجابري..وإشكالية النشأتين-بين أصول الشافعي..والمنطق الأرسطي

الجابري..وإشكالية النشأتين
بين أصول الشافعي..والمنطق الأرسطي

إن القارئ للجابري..قراءة شمولية...يقرأ أوله دون إغفال آخره ينكشف له خرم منهجي بالغ الظهور عند الملاحظة المتوسطة, ومن ذلك أن الجابري عرض أصول الفقه على أنه صناعة سياسية عباسية, مغفلا أو غافلا عن العمق التاريخي لعلم الأصول في تصرفات العلماء قبله...وإني لأستغرب كيف لم يستحضر الجابري أن أصول الفقه التي كتبها الشافعي إن هي إلا صورة لمادة أقدم كانت موجودة في فقه أهل العلم...إلى زمن الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم..وبالنظر إلى مصادرها...لا يتردد الباحث في الجزم بأن مادة الأصول أقدم من صورة الأصول الشافعية.
أما حينما يتحدث الجابري عن أرسطو ومنطقه فإنه يعرضه بالطريقة التي كان ينبغي أن يسلكها في حديثه عن الشافعي وأصوله فإنه قال "إن هذا لا يعني أن أرسطو كان المنشئ له من العدم, كلا,إن تاريخ البرهان كنظام معرفي يبدأ مع بداية الفلسفة والتفكير العلمي في اليونان قبل أرسطو بثلاثة قرون, ولم يكن عمل أرسطو في الحقيقة سوى تتويج لعملية تطور طويلة ومنعجرة"
سأعيد كتابة نفس الكلام مع بعض التغييرات ..ولاحظوا النتيجة:
"إن هذا لا يعني أن الشافعي كان المنشئ له من العدم, كلا,إن تاريخ أصول الفقه كنظام معرفي يبدأ مع بداية الفقه والتفكير العلمي في الإسلام قبل الشافعي بأكثر من قرن ونصف , ولم يكن عمل الشافعي في الحقيقة سوى تتويج لعملية تطور ".
لو كان قالها الجابري ...
ولا يكفي التلويح !!
لكن للأسف....
رحم الله الجابري.

نشر

الاثنين، 6 أبريل 2015

الجابري..والخرافتان (أمر معاوية بلعن علي, وقتله لحجر بن عدي لامتناعه عن ذلك)!

 الجابري..والخرافتان
 (أمر معاوية بلعن علي, وقتله لحجر بن عدي لامتناعه عن ذلك)!
 نبه عليه طارق الحمودي
- - - - حينما نصح علماؤنا بالكف عن الخوض فيما كان بين الصحابة من خلاف, لم يكن قصدهم التستر على شيء, بل كان منعا موضوعيا مغلفا بشفقة ورحمة, فالخائض في مثل هذه الأمور يحتاج إلى علم (منهج في قبول ورد الأخبار,منهج في قراء التاريخ) وعدل (بالنظر إلى الحسنة والسيئة  والترجيح بينهما), وقد كان ممن لم يأخذوا بالنصيحة, أن تكلموا في ذلك , بجهل , أوب ظلم, أوب هما معا, وهو الأقبح.
- - - -
لقد نال معاوية بن أبي سفيان الحظ الأكبر من الظلم ممن يحسبون على السنة, بله الشيعة بفرقهم كلها,وكان ممن تورط في ذلك الأستاذ الجابري.
لو كان غير الجابري لكان الأمر أهون, لكن خوض الجابري في هذه المساحة من التاريخ له أيبابه ودوافعه...الأيديولوجية...والسياسية.
- - - -
يذكر الجابري كغيره أن معاوية أمر بلعن علي ( كما في المثقفون) , وأنه كان يرهب من يخالفه في ذلك, بل إنه قتل حجر بن عدي ومن معه لأنهم امتنعوا عن لعن علي فزعم الجابري أن معاوية أمر بـ : "ذم علي بن أبي طالب ولعنه وتجريمه "..وزعم في خصوص حجر بن عدي وأصحابه أنهم :"لما وصلوا إلى دمشق طلب منهم التراجع عن موقفهم, ولعن علي والترحم على عثمان, ومارس عليهم صنوفا من الإرهاب والتعذيب, فتراجع من تراجع منهم, وصمد حجر بن عدي في سبعة من أصحابه, فأمر معاوية بقتلهم فقتلوا"
وأصفق للجابري لهذه القدرة على الإخراج ...حتى أن من يقرأ هذا سيصيح في غضب..."لعنة الله على معاوية"...ولكن...!
خرافة أمر معاوية بلعن علي من روايات أبي مخنف وهو رافضي  متكلم فيه من جهة عدالته...وكان يجب على الجابري وجوبا منهجيا أن يكون على حذر من الروايات المؤدلجة والمسيسة...ولعله لا يعرف أنها من روايته...فلم يكن الجابري محدثا أو مؤرخا محققا.
- - - -
 لم يكن سبب قتل معاوية لحجر بن عدي لأجل امتناعه من لعن علي إذن,كما زعم الجابري وغيره, وإن كان الجابري آثم لأنه معدود من البالحثين , بل لأمر آخر ..
فبعد تنازل السيد الحسن بن علي رضي الله عنه لمعاوية رضي الله عنه عن الحكم اجتمع الناس على أمير واحد, وسمي عام التنازل عام الجماعة, واطمأن الناس إلى الاستقرار لحفظ الدماء والأموال والأعراض, على أمنها القويم كما يقال اليوم, وبلغت الرسالة إلى الدول الاكافرة المجاورة المترقبة لفرصة مناسبة ,وكان حجر بن عدي معارضا لتنازل الحسن قبل التنازل ...وبعده..وكان بذلك يسعى قاصدا أو غير قاصد علنا لإثارة خلاف وقى الله المسلمين شره بتنازل الحسن الإمام العاقل الذي آثر المصلحة العامة على حقه.
 - - - -
لم يكن من معاوية أما هذا إلا أن عرض أمر حجر بن عدي وأمر أصحابه على الكبار من العقلاء والحكماء كعمرو بن الأسود العنسي المخضرم وأبي مسلم الخولاني الذي لم تحرقه نار الأسود العنسي وعبد الله بن أسد القسري, ولكنهم خيروه بين العقوبة والعفو, لكن معاوية اختار العقوبة (1)..بل أشدها وهي القتل جريا على قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم : "من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع, فاضربواه بالسيف كائنا من كان" ومثله  عنده أيضا قوله : "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم, أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"وله شواهد...وكان له في السجن أو قريب منه مندوحة عن القتل, لكنه قتله, وأنكرت عليه عائشة ذلك, وأبدى ندمه بعدها.
- - - -
ودون الخوض في التفاصيل...أقول: رحم الله الجابري..فقد قضى بغير مقتضى العلم والعدل في حق معاوية بن أبي سفيان..ومن كان معه من حكماء المسلمين..., وقاضيان في النار ...وقاض في الجنة.
- - - - (1) رواها صالح بن أحمد في (مسائل أحمد/2/328إلى 330) بإسناد حسن, تحت عنوان (قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه)

الأحد، 5 أبريل 2015

نظرية الجابري..في مناقضة ابن خلدون لابن خلدون

نظرية الجابري..في مناقضة ابن خلدون لابن خلدون
كتبه طارق الحمودي

مما استمتعت بقراءته للأستاذ محمد عابد الجابري كتابه (فكر ابن خلدون, العصبية والدولة), وقد رأيت فيه محاولة طيبة لقراءة مشروع ابن خلدون ورده إلى أصوله, مع ملاحظات كثيرة عليه, وكان مما أثار انتباهي زعم الجابري وجود تناقض بين (ابن خلدون الكهل صاحب المقدمة) الذي انتقد الفلسفة ( وابن خلدون الشاب صاحب لباب المحصل) الذي امتدحها!
- - - -
فنقل عنه من المقدمة ما يدل على أنه كان يرى أن (ضررها في الدين كثير) ثم نقل عنه ما يقتضي عكس ذلك من كتابه اللباب فقال: "لنستمع إليه وهو يتحدث عن الفلسفة وعلومها, في مقدمة كتاب اللباب, فيقول: ((...وبعد فإن العلوم كثيرة, والمعارف جمة غزيرة, وأشرفها العلم الإلهي الذي فاز عالمه بالسعادة, وأعدت له الحسنى وزيادة, تفتقر العلوم إليه, ولا يفتقر إليها, وتعول في مقدماتها عليه, ولا يعول عليها))".
- - - -
هكذا صور الجابري ابن خلدون صاحب اللباب, وهكذا جعل قصده من كلمة (العلم الإلاهي) ...الفلسفة...ولست أعرف ما الذي حصل للجابري وهو يكتب ما كتب...
- - - -
وأول ما ينبغي التنبيه عليه أن اللباب اختصار لكتاب المحصل للفخر الرازي...(1), في علم الكلام لا الفلسفة...وهو سياق يبين قصد ابن خلدون من ((العلم الإلاهي))..والكتاب عرض لمذاهب الناس في الإلاهيات والنبوات والسمعيات والإمامة وبعض المباحث المتعلقة بنظرية المعرفة,وهي مباحث تخص الدرس الكلامي... وفيه يبدي خلافا للفلاسفة فيقول أحيانا (خلافا للفلاسفة) وقد يسمي بعضهم كأفلاطون وأرسطو وابن سينا ..بل يصرح أحيانا بعلة خلافهم بقوله : "مبني على فاسد أصولهم".
- - - - -
أتساءل:
كيف فهم الجابري أن ابن خلدون صاحب اللباب..كان يمدح الفلسفة..؟
هل كان الجابري لا يفرق بين علم الفلسفة وعلم الكلام..؟أشك في هذا كثيرا..فليس الجابري من يقع منه ذلك.
هل كان يعرف ذلك...ولم ينتبه لخطئه...اقتصارا منه على قراءة (مقدمة ) الكتاب دون (نهايته) ؟
أم أن ميله لتقديم الفلسفة على غيرها جعله يتوهم ما توهمه..؟
- - - -
أمثال هذه الأمور لا يمكن تجاوزها ..فإنها من مؤسسات قراءته لابن خلدون...وفساد المقدمات مؤذن بفساد النتائج...
وأنبه إلى أن اشتغالي ببيان أخطاء الجابري رحمه الله إنما هو استرشاد...كما قال هو نفسه : "أما إذا كنا قد جانبنا الصواب في بعض المسائل فلعل أخطاءنا ترشد من يأتي بعدنا"...وقد أخطأ الجابري...رحمه الله!
 - - - - -
(1) مع إضافات من كلام نصير الدين الطوسي في كتابه (تلخيص المحصل) وهو نقد للكتاب وهو مطبوع.

السبت، 4 أبريل 2015

انتصار الجابري للخرافة العلمية...إذا كانت فلسفة يونانية!

انتصار الجابري للخرافة العلمية...إذا كانت فلسفة يونانية!
نبه عليه طارق الحمودي
- - - - - 
قد يتفهم انحراف الجابري عن مقتضى العقل المجرد أحيانا...لكن مصيبة المصائب أن تجد الجابري صاحب المشورع العقلاني ...بسبب انغماسه في شخصية ابن رشد, والاستماتة في تحسين صورته, وتلميع دعوته, لكونه أس مشروعه الحداثي يقع في مساندة خرافة علمية...لا لسبب وجيه علمي...بل لأنها من المنظومة الفلسفية اليونانية التامة التي تشربها أس مشروعه ابن رشد.
- - - - - 
كان جالينوس اليوناني قد زعم بأن الشمس لا تذبل , واحتج بأنها لو كانت تذبل لظهر نقصها للمعاين لها, فانتقد الغزالي ذلك في تهافت الفلاسفة محتجا بأننا لا نستطيع رؤية النقص لكبر حجمها وبعدها عنا, لكن ابن رشد آثر الدفاع عن جالينوس في تهافت التهافت.
 - - - -
الصادم أن ينبري الجابري للدفاع عن جالينوس..لأن ابن رشد تورط في الدفاع عنه...فقال:
"الشمس ليست معزولة عن العالم,بل لها تأثير على الكواكب,ومنها الأرض, فلو حصل ذبول لم تستطع الأرصاد تقدير حجمه, لانعكست آثاره مع ذلك على العالم..."
وهو بهذا يرد على الغزالي بأنه وإن لم نتمكن من ملاحظة التغير بالأرصاد, فسنلاحظه في تغير تأثيرها على الأرض مثلا...فورط الجابري نفسه فيما لا يحسنه, وهو يقلد ابن رشد في المناقشات الطبيعية..ويتابع قائلا:
"إن العالم من المنظور الفلسفي اليوناني كل مترابط, كله ترتيب ونظام, وكل تغير يطرأ على جزء منه لا بد أن ينعكس على الكل"
- - - - 
ثم يلجأ الجابري إلى قدرته المعروفة على ظلم خصمه, فيجد لجالينوس وابن رشد وجها لاختيارهما الخرافة, ويحتقر مذهب الغزالي , فيقول:
 "القول بأن الشمس لا تذبل للاعتبارات التي ذكرنا يبقى قولا ترجيحيا وليس برهانيا...أما افتراضات الغزالي فهي افتراضات ذهنية تقوم على التجويز وهو المبدأ الأشعري المعروف".
وهو في هذا يعيد صياغة ما قاله ابن رشد..بالتمام والكمال..بلغة مختلفة فقط..وهو ما كنت نبهت عليه في بعض المقالات من أن الجابري كان مغرما بتقمص شخصية ابن رشد والتكلم بلسانها أو العكس.
 - - - -
هكذا يلتف الجابري حول المعطيات العلمية الحديثة , ويصر على الترافع دفعا عن الفلسفة اليونانية بخرافاتها.
 - - - -
وقد أثبت العلم الحديث صدق مذهب الغزالي, وقد كتب في ذلك الدكتور محمد باسل الطائي وهو أستاذ الفيزياء في جامعة اليرموك بالأردن فصلا ممتعا وقويا ضمن مشاركته في الندوة الدولية التي أقيمت في الرباط سنة 1430هـ 2010 م والتي نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء بعنوان :"تاريخ العلوم في الإسلام", وقد طبعت أعمال الندوة في مجلدين, وينظر عمل الدكتور في الجزء الأول (من ص337إلى 366).وقد نشر المقال مع شيء من الاختلاف في مجلة دراسات التي تصدرها عمادة البحث العلمي في الجامعة الأردنية في المجلد 33 العدد 2 من الصفحة 248 إلى 254 , وفيها يزيد الطائي على ما كتبه قائلا في حق الجابري: "الكاتب يستغفل القارئ..."
- - - -  - 
ولا أفوت الفرصة للتنبيه على أن ما زعمه الجابري من أن الغزالي اعتمد في قوله بذبول الشمس على مبدأ التجويز عند الأشاعرة كان خطأ علميا , فالذي اعتمد عليه الغزالي إنما هو نظرية استمرار الخلق,وعدم بقاء العرض زمانين, وقبل ذلك ولا بد على ما استقر في علمه مما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم من أنها ستكور, وقد فسر العلماء ذلك كما قال ابن كثير  :
" جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمى بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها "
وهذا يعني أن التراث الإسلامي تغلب بجدارة على الفلسفة الرشدية اليونانية...بالنقل والعقل, وتورط الجابري رحمة الله عليه في مغالطة من العيار الثقيل...مغالطة مفادها...تقديم الخرافة اليونانية على الحداثة العلمية الفيزيائية..

الخميس، 2 أبريل 2015

نعم ...كان الجابري يخطئ في العربية..مثل غيره!

نعم ...كان الجابري يخطئ في العربية..مثل غيره!
نبه عليه طارق الحمودي
لا يختلف منصفان في القيمة الفكرية للأستاذ الجابري رحمه الله, لكن المؤسف أن تجد من يغلو فيه..
كان الجابري يخطئ في اللغة العربية..كما يخطئ غالبنا...كان كغيره...ممن دخلت العجمة لسانهم..ويخطئ أخطاءا ظاهرة ...وثقيلة..
فمن كان يريد إنصاف الأستاذ الجابري فليحرص على أن يزن كلامه..ويضعه في موضعه..دون إفراط ولا تفريط..
فرحم الله الجابري...فقد استفدنا منه جملة أمور...
لكنه..كان يلحن في ..الكتابة....وهو أشد من اللحن في الكلام
من أمثلة ذلك ..
قوله في كتابه [ابن رشد سيرة وفكر] :
"فإن بين أيدينا في المقابل وصفٌ مفصلٌ" والصواب "وصفا مفصلا" .
وقوله :
"لقد كان يراهما مظهران لحقيقة واحدة" والصواب "مظهرين" .
وقوله :
"لأن المقدمتين صادقتين يقينيتين" والصواب "صادقتان يقينيتان".
وقوله في نقد العقل (2/388) : "الكليات الخمس", والصواب الكليات الخمسة لأنها نعت لجمع مؤنث سالم.
.
ليس قصدي من هذا... الطعنُ في الجابري..بل الطعن في الغلو فيه...والتنبيه على أن الضعف في العربية ينتج سوء فهم للنصوص والأقوال...ولذلك لا يجوز الاستهانة بهذه الأمور...
إذن ...قد كان الجابري يخطئ في العربية...وجلنا ذاك الرجل.
رحم الله الجابري

الخميس، 12 مارس 2015

الجابري..بين مقاطعة التراث الإسلامي..وتقديس الفكر الغربي.



الجابري..بين مقاطعة التراث الإسلامي..وتقديس الفكر الغربي.
كتبه طارق الحمودي
من الأمور التي صدمتني في الجابري رحمه الله, وأنا (أقرؤه) من خلال (قراءته) لابن رشد, أنه كان يحاول أن (يتحدث بلسان ابن رشد), أو أن (يتحدث نيابة عن ابن رشد), فقد كنت في بعض الأحيان... لا أفرق بينهما...
الذي صدمني في ذلك, أنني فوجئت بصورة غريبة تتشكل أمامي وأنا أستعرض مشروع الجابري وأركانه الأربعة...مقاطعة التراث الإسلامي, وتقديس الفكر الغربي, وآلة المقاطعة والتقديس..وهي ابن رشد...والقاطع...وأقصد الجابري نفسه.
أما أن يكون ابن رشد ممن قاطعوا التراث الإسلامي...فلا..فالجابري نفسه لم يستطع أن يجعله أداة قطيعة معرفية, فقد وجد بينه وبين ابن رشد الفيلسوف ...ابن رشد الفقيه...صاحب بداية المجتهد ونهاية المقتصد...ولذلك قبل وجهي عملة (ابن رشد) على كره, وحاول أن يجعل ابن رشد الفقيه - وهو يكتب (فقها)- فيلسوفا أيضا...فيقول في بداية المجتهد ونهاية المقتصد : "كتاب لا يستطيع كتابته إلا عقل فيلسوف"...فلم يكن يطيق الحضور الفقهي في شخصيته التي اختارها لتكون حاملة مشروع القطيعة..والتقديس... وقداضطر الجابري بسبب ذلك لأن يقوم بنفسه بدور الآلة القاطعة...أما تقديس الفكر الغربي...فأمر لست أدعيه على الجابري أو ابن رشد..فقد كان الجابري حريصا على ذلك...وهو يتحدث بلسان ابن رشد..ويختبئ خلفه كما فعل أفلاطون وهو يعرض فكره من خلال أستاذه سقراط جاعلا إياه طرفا في حوارات جدلية.لقد كان أرسطو الأنموذج الضروري لممثل الفكرالغربي..إذ كان أنموذج ابن رشد نفسه...ولذلك ستجد الجابري يعظم ابن رشد..الذي عظم أرسطو...ومن اللازم ..برهانا... أن يكون الجابري معظما لأرسطو...وقد حاول أن يصرح بذلك...!
هذا ما سعى ويسعى إليه الحداثيون...بركوب شخصية ابن رشد...مقاطعة التراث الإسلامي...ثم عرض الفكر الغربي(الحكيم) بدلا عنه..كما فعل ابن رشد - على زعمهم - حينما جعل همه ...شرح فكر أرسطو...الذي كان يراه فكرا (تاما) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..فلا يحتاج إلى إتمامه...لأنه كلام فيلسوف ...حكيم...غربي.فقال في تلخيص الآثار العلوية لأرسطو (ص146):"ليس في أقاويل أرسطو شيء يحتاج إلى تتميم", بل كان يرى أن الله خصه بالكمال الإنساني...خصه دون غيره..فقال في تلخيص الآثار العلوية (ص145): "سبحان الذي خصه بالكمال الإنساني ", وحاول الجابري - وهو يرى أنموذجه يوقعه في حرج -أن يمحو قبح هذه العبارة بسفسطة واضحة...وعبثا حاول...فالأمر واضح لا يمكن دفعه...فإنه قال : "خصه" ولم يُبَعِّض!

فابن رشد عند الجابري...ممثل الحداثة التغريبية العربية...
وأرسطو عنده...ممثل الفكر والثقافة الغربية..التنويرية...
والجابري...يدعو إلى أن نكون مع الفكر الغربي اليوم...كما كان ابن رشد مع أرسطو...
في (الكرموس...!)
في كل مرة...يظهر لي ..خرم (جرم) جديد...كبيييير... في مشروع الجابري ..رحمه الله.

الأربعاء، 4 مارس 2015

خاب ظني في الجابري...مرة أخرى

خاب ظني في الجابري...مرة أخرى
كتبه طارق الحمودي
كان الجابري رحمه الله ...مغلوبا بـ(تسييس) المواقف والمذاهب والأحداث, وقد سبق وأشرت إلى شيء من غلوه في ذلك, في خصوص ابن حزم رحمه الله ومذهبه الظاهري, وقد ارتكب نفس الأمر مع الشافعي رحمه الله وآخرين, ومثل هذا قد يهون لو اطرد موقفه من كثير من الشخصيات العلمية الإسلامية, لكنك تفاجأ بتغير في (سياسته) التي جرى عليها...فإنه حينما أراد عرض ابن رشد...- الفيلسوف...الحكيم...صاحب المشروع الإصلاحي التصحيحي كما يزعم الجابري...الذي لا يمكن الولوج إلى النهضة في العالم الإسلامي إلا من جهته - عرضه بطريقة تبعده عن تهمة (سياسية المواقف) , فقد حاول الجابري وهو يتحدث عنه ويقدمه للقراء في كتابه (ابن رشد سيرة وفكر) أن يقدمه في صورة جميلة راقية....
من محاولاته الغريبة والمثيرة للاستغراب...مع ابتسامة خفيفة...قوله وهو يتحدث عن والد وجد ابن رشد :
"كانا على صلة بالدولة...وأهلها, صلة...علمية قوامها التدريس وولاية القضاء"..!
لاحظ...رغم صلته بالدولة...فتلك الصلة كانت صلة العلم ولاقضاء...يا سلام...كأن الجابري خاف على شخصيته (النموذج) من اي خدش ...يطالها
ومثلها قوله وهو يتحدث عن ثناء...ثناء... ابن شد على الدولة الموحدية في عصره: "كتب في معرض الثناء على ...الدولة...لا ليمدح ..بل ليسجل واقعا ويبرز إيجابيات بلغة طبيعية"...
مرة أخرى...ياااااا سلام......يثني على الدولة..ولكنه ثناء بمعنى حكاية الواقع بلغة ...طبيعية...أي خالية من التكلف ...وربما التزلف...
إيه يا جابري...حينما تتحدث عن ابن حزم..تجعل مذهبه الظاهري...كله...مذهبا سياسيا...
حينما تتحدث عن الشافعي...تجعل مشروعه الأصولي كله... مشروعا سياسيا...
وآخرين أمثالهم..كانوا فقهاء ومتكلمين...ولم يكونوا فلاسفة.
أما ابن رشد...ولأنه فيلسوف...ولأنه نموذجك الذي تريد أن تقيم عليه مشروعك العلماني...فقد أبقيته بعيدا عن سياسة (تسييس الشخصيات) ..
للأسف يا جابري...خاب ظني فيك...والإنصاف عزيز.