الأربعاء، 15 أبريل 2015

الجابري..وكفر (البيان)

حينما عرض الجابري لما ذكره ابن خلدون في خصوص ما كان قد تناوله العلماء قبله بالبحث في مسائل علم العمران بالعرض لا بالغرض, عرض ذلك محاولا التهوين من شأن المؤثرات البيانية (كما يسميها) في علم العمران , فالذي يعرف الجابري يعرف موقفه المعرفي من اللغة العربية وأصول الفقه,باعتبارهما علمين أصيلين , أي عليهما وبهما تبنى المسائل والقضايا لما يحتويانه من ترسانة كبيرة من القواعد الثقيلة ومضادات الزلل في الفهم ورادارات للكشف عن مواقع الاستدلال,ويعرف جيدا كيف يحاول الجابري أحيانا التهوين من شأنهما...أو غض الطرف عنهما إن لزم الأمر.
يلخص الجابري ما نبه عليه بن خلدون من أن علم العمران كان قد بحث في بعض نواحيه أو كله بكليات أو جزئيات بطريقة عرضية تبعا لعلوم أخرى, وأنه استنبط ذلك العلم باستقرائها وجمعها وإعادة صياغتها وترتيبها فيقول الجابري مستسلما لمصدرية بعض العلوم الشرعية لعلم العمران الخلدوني فيقول: "نعم هناك مسائل [تجري بالعرض لأهل العلوم في براهينهم, وهي من جنس مسائل علم العمران بالموضوع والطلب],من ذلك ما يرد في بعض أقوال الحكماء ما يذكر في بعض أبواب الفقه من أمور لها مساس بالشؤون الاجتماعية أو السياسية التي يبحث فيها هذا العلم الجديد" ...هكذا يلخص الجابري كلام ابن خلدون...وبدون أدنى حرج.
لننظر الآن إلى كلام ابن خلدون, ولنقارن لا بين النصوص بل بين المقاصد الواردة فيهما, يقول ابن خلدون:
هذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منة مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم و هي من جنس مسائله بالموضوع و الطلب مثل ما يذكره الحكماء و العلماء في إثبات النبوة من أن البشر متعاونون في وجودهم فيحتاجون فيه إلى الحاكم و الوازع و مثل ما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللغات أن الناس محتاجون إلى العبارة عن المقاصد بطبيعة التعاون و الاجتماع و تبيان العبارات أخف و مثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد في أن الزنا مخلط للأنساب مفسد للنوع و أن القتل أيضاً مفسد للنوع و أن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع غير ذلك من سائر المقاصد الشرعية في الأحكام فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران فكان لها النظر فيما يعرض له و هو ظاهر من كلامنا هذا في هذه المسائل الممثلة و كذلك أيضاً يقع إلينا القليل من مسائله في كلمات متفقرقة لحكماء الخليقة"
فتضمن كلام ابن خلدون التنبيه على أن مسائل هذا العلم وردت في :
1- باب إثبات النبوات
2-أصول الفقه, باب إثبات اللغة
3- تعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد
4-كلمات متفرقات لحكماء الإنسانية
وهذا يبين أن الجابري أغفل ذكر "أصول الفقه, واللغة , باب إثبات النبوات, وتعليل الأحكام الشرعية بالمقاصد" التي عبر عنها الجابري بـ "ما يذكر في بعض أبواب الفقه من أمور لها مساس بالشؤون الاجتماعية أو السياسية", محاولا تقزيم الطويل, وتهوين الخطير,فالأمور التي لم يسمها الجابري لغرض ما...لم تكن سوى تعليل الأحكام بالمقاصد, وهذه ليست مسائل وأمورا كما سماها الجابري بل أصولا كبرى وكليات.
وقد يسأل سائل : ولم يفعل الجابري ذلك؟
والجواب في نظري أنه كان يريد أن يبعد علم العمران الخلدوني ما أمكنه عن النظام المعرفي البياني (الإسلامي) , وأن يخلصه من قواعده وأصوله, حتى يصير علما خارجا عن التراث الإسلامي...!
لو انتبهنا إلى عبارة ابن خلدون "لأهل العلوم في براهينهم" ثم رأيته يذكر باب النبوات وباب إثبات اللغة وباب المقاصد الشرعية, لانتبهت كما حصل للجابري ولابد أن الكلام كله يوحي بأن ابن خلدون كان يرى كل هذه العلوم (البيانية) من قبيل (براهين العلوم)...وهذا أمر لا بد أنه أزعج الجابري , وشوش على تقسيمه المعروف..فآثر إعادة ترتيب كلام ابن خلدون بطريقة أسلم بالنسبة له, لكن ..مع شيء من البتر والحذف و..تغطية وكفر (أصول البيان الإسلامي).

نشر


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق